webinfo@synod-sl.org

العظة الأسبوعية

القس الدكتور إبراهيم سَعِيد

إن قيامة المسيح هي الحقيقة الأساسية في المسيحية؛ فهي في أهميتها تفوق ولادته الإعجازية، وهي في الوقت نفسه متوِّجة لحقيقة صلبه؛ هي برهان قبول ذبيحته الفدائية، وهي علامة ختم كفارته عنا، وهي عيد ميلاد المسيحية.

لولا قيامة المسيح لأضحى شخصه في نظر التاريخ نسياً منسيّاً… ولدُفنت المسيحية مع المسيح في قبره، ومات الرجاءُ في قلوب أتباعه، وأمست الكرازة بالإنجيل خرافة تاريخية!resurrection-of-Jesus

من أجل هذا، اهتمّ رسل المسيح بعد قيامته بالكرازة بهذه القيامة أكثر مما اهتموا بأي ناحية من نواحي حياة المسيح، ويشهد بذلك سفرُ الأعمال، سواء في كرازة بطرس أو في كرازة بولس.

لولا قيامة المسيحلولا قيامة المسيح لما آمن به تلاميذه… لأنهم بعد موته، وقبل قيامته أرادوا أن ينصرفوا إلى الصيد، ليستأنفوا حياتهم الأولى.

لكنهم بعد قيامته امتلأوا بروحه الأقدس، فغمرت الشجاعة قلوبهم، فجالوا يبشرون بالمسيح والقيامة، أكثر مما بشروا بميلاده أو بأعماله أو بأقواله.

لولا قيامة المسيح لما آمن به بولس الرسول، خاتمة رسله الأطهار القديسين. فقد كان بولس يعتقد أن المسيح مات وانقضى، فانصرف إلى اضطهاد تلاميذ المسيح وأتباعه، إلى أن ظهر له المسيح في طريق دمشق، فسقط على الأرض – ويقول العارفون اللغة اليونانية، أن الكلمة الأصلية تعني أن بولس سقط عن جواده، وهو حقاً سقط عن جواد كبريائه، فصار مرتعداً ومتحيراً حين سمع الصوت من العلاء يناديه: “شاول، شاول؛ لماذا تضطهدني؟”.

لقد كان شاول خصماً عنيداً للمسيح، اعتقاداً منه أنه أقوى مُزاحم له في الزعامة الدينية في الشرق، لأن شاول كان زعيم سورية، ولأن المسيح كان ربَّ فلسطين. فلما علم شاول أن المسيح صُلب، استراح قلبه واطمأن، ظنّاً منه أن الجو قد خلا له؛ فقد حلا له أن يقضي على البقية الباقية من أتباع الناصري المصلوب. ولكن قيامة المسيح قد أسقطت شاول عن كبرياء جواده، فقال وهو مرتعد ومتحير: “يا رب، ماذا تريد أن أفعل؟”

لولا قيامة المسيح لمات الرجاء في قلوب المتعلقين بشخصه العزيز المجيد، كما ظهر من كلام تلميذَي عمواس: “كنا نرجو أنه هو المزمع أن يخلص إسرائيل”.

لكن، بعد قيامته المجيدة الظافرة، وُلد الرجاء في قلوب أتباعه ومريديه، وترعرع، ونضج حتى أضحى حقيقة واضحة؛ وسرى من قلوبهم هذا الرجاء إلى قلوب جميع المؤمنين به على مرّ الأجيال والدهور، حتى أمسى حقًّا يقينيًّا، به يعيشون، وبه يموتون، وعلى شفاههم ابتسامة، وعلى ألسنتهم أبهج الترنيمات وأعذبها، وبه يدفنون موتاهم على رجاء اللقاء بهم في حضرة المسيح عند مجيئه المبارك السعيد.

قيامة المسيح

فقيامة المسيح قد أظهرت المسيح في كمال شخصيته المجيدة المباركة، كما قال بولس الرسول: “وتعيّن ابنَ الله بقوة من جهة روح القداسة بالقيامة من الأموات” (رومية 4:1).

وقيامة المسيح قد بثّت فينا، نحن المؤمنين به، قوةً روحية بها نحيا حياة الظفر والانتصار، كما قيل لأهل كولوسي: “إن كنتم قد قمتم مع المسيح فاطلبوا ما فوق حيث المسيح جالس عن يمين الله. اهتموا بما فوق لا بما على الأرض. لأنكم قد مُتُّم وحياتكم مستترة مع المسيح في الله. متى أُظهر المسيح حياتنا فحينئذ تُظهرون أنتم أيضًا معه في المجد” (كولوسي 1:3-4).

وقيامة المسيح قد خلقت إنجيل المسيحية، لأن بولس – بعد تجديده – كان يكرز بيسوع والقيامة. فلما سمعه الوثنيون يعظ عن “خرستوس أنستاسيس” ظنوه يعظ عن إلهين أولهما “خرستوس” (يسوع)، وثانيهما “أنستاسيس” (القيامة). فقالوا إنه يعظنا عن آلهة غريبة!

وقيامة المسيح قد هيّأت لنا حياة البِشْرِ والابتهاج، معتقدين في أعماق نفوسنا أن يوم “الجمعة الحزينة” ليس آخر أيام المسيح على الأرض، وإلّا صارت النصرة حليفة الظلام وأعوان الشرور؛ بل اختتمت حياته الظاهرة على الأرض بيوم الأحد المجيد – الذي قام فيه من القبر ناقضاً أوجاع الموت.

إن قيامة المسيح قد أهدت إلينا يوماً جديداً لم يكن معروفاً لدينا من قبل، هو اليوم الأول في الأسبوع – “يوم الأحد”؛ وهو أقوى حجة تاريخية تشهر على مسامع جميع الأجيال شهادة حية ناطقة، لا يرقى إليها الشك “أن المسيح بالحقيقة قام”. إن قيامة المسيح تحمل بين جوانحها نبوةً بقيامة الحق وهدم الباطل، وتنادي بقيامة الضمائر ويقظتها قبل يوم الدينونة الرهيبة.

فاللهم، أعنّي لأحيا معك وبين يديك، حياةً مُقامة تليق بمجدك.