الشخصية السلبية [ أ ] (يوحنا 15: 1-11)
إذا كان في بيتك فأر وتريد التَّخلُّص مِنه، فإمَّا أنْ تُحضِر له قِطَّاً، أو تُحضِر له مصيَدَة. ما الفارق بين الحلَّيْن؟ الأول سلبي، لأنَّ الفأر سيَهرُب مِن بيتك إلى بيت جارك، وربما يعود إليك مرَّة أخرى. لكن الحلّ الثاني إيجابي لأنَّه يُخلِّصك نهائياً، أنت وجارك، من ذلك الفأر. هذا هو الفارق بين طريقتَيْن في التَّفكير لنوعَيْن من الشخصيات، طريقة سلبية وأخرى إيجابية. وفي تعليم المسيح بأنَّه الكرمة الحقيقية شبَّه الشخصية الإيجابية بالغُصْن الذي يثبت فيه ويُثمر ثمراً مُتجدِّداً مُتكاثِراً، وشبَّه الشخصية السلبية بالغصن الذي لا يثبت فيه، فيجِفّ ويُقطَع ويُطرَح خارج الكرمة. إنَّ نوعية الشخصية السلبية مِن أكبر صنَّاع المشاكل، له ولنفسه، إنْ على المستوى الروحي، أو الاجتماعي أو العائلي.
الإيجابية والسلبية: يختلِف الناس عن بعضهم البعض، في دوافعهم للقيام بأيِّ عمل، وفي أسلوب تفكيرهم لاتِّخاذ المواقِف والقرارات. فهناك المُتَّسِع الفِكْر، الذي يُجدِّد أفكاره وتَطَلُّعاته. وهناك أيضاً المحدود الفِكْر، الذي لا يميل للتجديد ويخاف مِن أيِّ تغيير. ويختلفون أيضاً في طريقة التَّعبير عن مشاعرهم وعواطفهم، فهناك البخيل وهناك المُفرِط وهناك المُتَّزِن. وبدايةً يجب أنْ نعرف أنَّه لا يوجد على الأرض شخص واحد إيجابي 100% أو سلبي 100% فلدى كلّ مِنَّا اتِّجاهات سلبية وأخرى إيجابية، لكن يغلب أحدها على الآخر.
الإيجابية هي التحرُّك بوعي وحيوية ونشاط نحو الخير للنَّفْس وللغير. أما السلبية فهي الكُمُون والتردُّد والتراجُع والتراخي والكسل والعُزلة والأنانية. يقول المسيح إنَّ الإنسان الروحي هو الإنسان الإيجابي، كالغُصن المُثمر الذي يتجاوب بفاعلية مع الكرمة، فيعطي ثمراً جيداً جديداً مُتكاثراً. على عكس السلبي.
والإنسان إيجابي بطبعه، لأنه مخلوق على صورة الله، في داخله قُدرات تجعله إيجابياً كخالقه. لكنه بالسقوط في الخطية انفصل عن الله، ودخلت السلبية إلى حياته. فآدم أول ما رأى حواء، وهو في حال الإيجابية، قال "هذه الآن عظم من عظامي ولحم من لحمي". لكنه بعد السقوط، وهو في حال السلبية، اتَّهمها بأنها سبب عصيانه، بل وجَّه اللوم إلى الله لأنَّه خلقها. لقد حاول أن يبرِّر نفسه ويُلقي بالمسؤولية على غيره، بل يُلقيها على الله نفسه. ولكن المسيح أوجد الطريق الوحيد لإعادة تلك الصورة المفقودة، بالحياة الإيجابية.
كيف نكتشف السلبية، فينا وفي غيرنا؟ ليس من السَّهل على الإنسان أن يكتشف ويعترف بأنَّه سلبي، وأنَّه بسبب سلبيته يصنع مشاكل لنفسه ولغيره. كذلك جميع صنَّاع المشاكل، لا يعترفون بتوجُّهاتهم السلبية. إلا أنَّ ذلك الاعتراف هو الخطوة الأولى على الطريق الصحيح نحو الإيجابية، ومُعالجة كافة المشاكل. لذا فإنَّ التعرُّف بخصائص الشخصية السلبية سوف يوقفنا أمام مرآة نحاول أن نرى فيها أنفسنا أكثر من غيرنا. ومن ثمَّ لا نعمل على إزالة الوسخ من المرآة، بل على إصلاح أنفسنا. وهذه هي خصائص الشخصية السلبية:
(1) التواكُل والاعتقاد في الغَيْبِيَّات والسِحْر والشعوَذَة. فيُلقي بمسؤولية فَشَله على غيره أو على الظروف. ويَعْزو كلّ ما يحدث له على أنَّه قضاء وقَدَر. وبسهولة يَقْتَنِع بأمور لا يَقْبَلها العَقل ولا المَنْطِق.
(2) يبحث دائماً عن الحلول السَّهْلَة. فلا يبذُل أيَّ جَهدٍ لمواجهة المصاعب، فهو يريد أنْ يحصل على كلّ شيء بدون تَعَب.
(3) يتَّسِم بالإيحائية. فإذا أوحى له شخص بأنَّ هذا الموضوع صَعْب، يُرَدِّد ذلك ولا يحاول مواجهة تلك الصعوبة. والعكس، إذا أوحى إليه أحد بأن الموضوع سهل، فإنه يردِّد ذلك ويُقدم على الموضوع. فهو يَتَقَبَّل الآراء والأفكار الأخرى بدون مناقَشَة واقتناع.
(4) لديه الكثير مِن المخاوف الوهمية التي لا مُبَرِّر لها. فبدلاً مِن أنْ يَثِق في نفسه وفي الرَّب ويتَّكل عليه، فإنَّه يخاف خوفاً مَرَضِيَّاً مِن الأعمال الشيطانية ومِن المُستقبل.
(5) التردُّد والتراجُع، التَّقَوْقُع والانطواء، التَّهرُّب مِن مسؤولية القرار أو العمل، تبرير الذات، المُطالَبَة بالحقوق قَبْل إتمام الواجبات، ضعف القُدْرَة على مشاركة الآخَرين.
كيف تتكوَّن الشخصية السلبية؟ إنَّ أسلوب التربية هو العامل الأساسي في إنتاج شخص إيجابي وآخَر سلبي. فالروح الإيجابية أو السلبية لدى الأهل تنتَقِل بسهولة مِن جيل إلى جيل، بدون قصد. فاتجاهات الأطفال الإيجابية أو السلبية تتكوَّن بالقُدوَة وليس بالتَّلْقين أو بالأوامر والنواهي. وهذه بعض العوامل التربوية التي تساهم في تشكيل الشخصية السلبية:
(1) سطحية الوالدين: إذا كانوا يتناولون الأمور بسطحية بدون تحليل الأفكار والأحداث لاتخاذ القرار الصائب.
(2) أسلوب التدليل وتحقيق جميع الرَّغبات: فهذا يجعل الطفل كثير الاعتماد على غيره. فينشأ سلبياً غير مستعدّ لتحمُّل المسؤولية في التفكير أو التقرير. خاصة إذا كان الطفل وحيداً، أو إذا كان الأكبر، أو الأصغر، أو أو إذا كان ولداً وسط بنات، أو بنتاً وسط أولاد.
(3) أسلوب التخويف: فالتنبيه والتحذير مِن الوقوع في الخطأ، ومِن العقاب الأبوي أو الإلهي، تدفع الطفل بسهولة إلى حماية نفسه، فيخاف من أيَّة مُحاولة، فينشأ سلبياً. كما أنَّ أسلوب الرقابة المُشدَّدة لا تُنشيء شخصاً حُرَّاً إيجابياً.
(4) أسلوب الكَبْت: عندما نرفض رأي الطفل أو نسْخَرَ مِنْه، تَصْغُر قيمته في نظر نفسه ويُحْبَط. فلا يحاول فيما بعد التفكير والتعبير عن رأيه، بل يُفَضِّل أنْ يبقى كسولاً مُهمَّشَاً. فإذا لم يُعبِّر عن نفسه ويُشارك برأيه، فلَن يكون فعَّالاً في علاقاته، بل مُجرَّد مُتلقِّي، مفعولٌ به أو له. أمَّا مَنْعَه مِن المُشاركة في الأنشطة الجماعية، بدافع الخوف عليه، فإنَّه يجعله سلبياً لا يُجيد العمل الجماعي. كذلك كَبْت تعبيراته الانفعالية، بالتركيز على أسلوب انفعاله أكثر مِن أسباب انفعاله، ممَّا يجعله يخاف مِن أنْ يُعبِّر عن مشاعره وغَضَبه، احتراماً للنظام والقانون، فينشأ شَخْصاً سلبياً. بينما الإنسان أهمّ مِن القانون في تعليم المسيح (مرقس 27:2).
(5) إضْعاف ثِقته بنَفْسه: عندما نُعامل الطفل بعُنف، خاصة أمام الآخرين، ينشأ مقهوراً غير راضٍ عنهم وعن نفسه. مثلاً عندما يكسر شيئاً، يكون ذلك لقلَّة خِبْرَته، لكننا نهتمّ كثيراً بقيمة الشيء الذي كسره، فننتهره ونعاقبه على ذلك. فيُدرك أنَّ قيمة هذا الشيء أهمّ منه. فيفقد قيمته الذاتية في نظر نفسه. بينما في مثل هذه الحالات يجب أنْ نُشركه في إصلاح ما كسره، ونعلِّمه كيف يتجنَّب ذلك فيما بعد.
(6) إضعاف روح الولاء والانتماء: أحياناً نُربي أولادنا على الانتماء الشديد لقيم الأسرة والعقيدة الدينية أو الوطنية، إلى درجة التعصُّب. هذا انتماء مُتطرِّف، لأنَّه لا يرى إلا اتجاهاً واحداً، فيكتسب أخلاقاً وقيماً، ليست بدوافع روحية نقية، ولا عن اقتناع، ولا بناءً على علاقة شخصية بالمسيح، بل للحرص على التديُّن الشَّكْلي فقط، وهذا مِن أكبر الصُّوَر السلبية.
هل يمكن الانتقال من السلبية إلى الإيجابية؟ إنَّ العوامل التربوية تساهم كثيراً في تكوين الشخصية السلبية، لكننا عندما نتجاوز مرحلة الطفولة، ونكتشف اتجاهاتنا السلبية التي لا نرضى عنها، ولا يرضى عنها الآخرون، فإننا نشعر بأهمية التغيير. إلا أنَّ هناك من استقرَّت السلبية في شخصياتهم، ولا يرون داعٍ ولا أهمية لأيِّ تغيير. وهناك من يُقاومون التغيير، مُستحسنين الاتجاهات السلبية التي نشأوا عليها، ويُقدِّمون مُبرِّرات لهذه السلبية، بل ويمدحوها. فيقول: إنَّ التفاعل مع الناس أمر مُضرّ، أنا أفضِّل جداً أن أعيش بمفردي، لا أريد أن أتدخَّل في شؤون أحد، ولا أريد أحداً يتدخَّل في شؤوني... والمثل يقول (تعمل خير تلاقي شرّ). هذه لُغة السلبيين المخدوعين.
فمن نشأ على السلبية لن يتغيَّر إلا إذا: أدرك خطورة الحياة السلبية، وبذل جهداً مقصوداً للتخلُّص منها والتحوُّل للإيجابية. فالأمر يحتاج إلى قوة داخلية دافِعة. إنَّها قوة الروح القدس الذي يسكن في المؤمنين، وقوة الإرادة النابعة من الثقة بالنفس. لقد خلقنا الله على صورته، في: العقل، والإرادة، والحرية، والخلود الأبدي، وإمكانية القداسة، وإمكانية الحياة الإيجابية. إذاً إمكانية التغيير نحو الأفضل، إمكانية كامِنَة في كلٍّ منَّا. والفوارق بيننا هي في مدى الإصرار على ذلك التغيير. فلن يحدث أيّ تغيير فينا إلا بناءً على إرادتنا بملء حُريَّتنا. وبذلك نستطيع أن نعرِّف الإيجابية بأنها: طاقة إلهية موجودة فينا، وقد أعطانا الله حرية الإرادة في تفعيلها والحياة بموجبها.
"بحسب إيمانك يكون لك"، فمَن يتوقَّع النَّجاح ويَثِق بأنَّ ذلك مُمْكِناً، وبأنَّ لديه القُدْرَة على ذلك، سينجح في معظم الأحوال. هذه الثِّقة سترفع مِن روحه المعنوية، وتُشَجِّعه على المزيد مِن النجاح والإنجاز. هذا هو الأمر الذي كان يُشدِّد عليه المسيح في مُعجزاته، إيمان الشَّخص وثقته وإرادته. إذاً فمَن يريد أنْ يكون إيجابياً، فإنَّه يستطيع ذلك، مهما كانت المَوْرُوثات أو المُكْتَسَبات السلبية. فإذا كانت مُكتَسَبَة مِن الأصدقاء والمجتمع، فمِن المُمكِن تغييرها لأنَّها ليسَت أصيلة في شخصياتنا. أما إذا كانت موروثة مِن الأسرة، فيجب اكتشافها ونقدها أولاً، ومِن ثمَّ يُصبِح التغيير مُمْكِناً. ويجب تصحيح الفِكر أولاً قبل تصحيح الفعل. فما أكثر السلبيات التي ترسَّبَت في شخصياتنا عبر سنوات العُمر، بشأن شخص أو شيء أو قضية، بعضها معروف وبعضها مجهول. ولكي يحدث التغيير، يجب أن يتسلَّح الإنسان بقوى نفسية مُتعدِّدة: الاقتناع بضرورة التغيير، الاهتمام بالموضوع والسؤال فيه وبحث طرق العلاج، الاندفاع المُتعقِّل نحو الإيجابية، وليس فقط مجرَّد استحسانها، الانغماس في كرمة المسيح.
القس أمير اسحق |