(9) الشخصية السلبية [ ب ] (يوحنا 15: 1-11/ لوقا 43:6-49)
عرفنا في حلقة سابقة أنَّ نوعية الشخصية السلبية مِن أكبر صنَّاع المشاكل، إنْ على المستوى الروحي أو الاجتماعي أو العائلي. فالناس يختلفون عن بعضهم البعض في دوافعهم للقيام بعمل ما، وفي أسلوب تفكيرهم لاتخاذ المواقف والقرارات، وفي طريقة تعبيرهم عن مشاعرهم. فهناك السلبي: المتواكل المُستسلم، الذي يبحث دائماً عن الحلول السهلة، المُتردِّد المتراجِع الذي يُبرِّر نفسه دائماً ويتهرَّب من المسؤولية، ويخاف كثيراً من التجديد والتغيير. وتولَد الشخصية السلبية من أسلوب التربية الخاطئ، بالتدليل أو التخويف أو الكبت. وكثيراً ما تأتي السلبية نتيجة التربية على الانتماء الشديد للأسرة، أو العقيدة الدينية أو الوطنية، إلى درجة التعصُّب. حيث يكتسب الشخص السلبي قيماً وأخلاقاً، ليست بدافع روحي نقي، ولا عن اقتناع، ولا بناءً على علاقة شخصية مع المسيح، بل للحرص الشديد على التديُّن الشكلي فقط. فهل يمكن لشخص سلبي أن يتغيَّر ويكون إيجابياً؟
الخطوة الأولى والأساسية لحدوث ذلك التغيير، إدراك أهميته. فمَن نشأ على السلبية لن يتغيَّر إلا إذا أدرك خطورتها وبَذَل جهداً لكي يتخلَّص مِنها ويتحوَّل إلى الإيجابية. إنَّ الأمر يحتاج إلى قوة داخلية دافِعَة هي قوة الروح القدس الذي يسكن المؤمنين، وإلى قوة إرادة شخصية. فالتغيير يحتاج إلى أربع قوى نفسية: الاقتناع بضرورة التغيير، الاهتمام بهذا الموضوع والسؤال فيه والبحث عن طرق العلاج النافعة، الاندفاع المتعقِّل نحو الحياة الإيجابية وليس فقط مُجرَّد استحسانها، والانغماس في كرمة المسيح. وقبل أن نتعرَّف بملامح الشخصية الإيجابية، نتعرَّف بالشخصية الإيجابية النموذجية، شخصية المسيح، لنتعلَّم منه أهمّ الملامح الإيجابية، المحبة.
الشخصية الإيجابية النموذجية: (المحبة) هي الصفة الإيجابية الأساسية، ونقول إن عدم الكره صفة سلبية. فيُمكنك ألا تكره شخصاً، لكنك لا تحبُّه. لأنَّ المحبة هي حركة خروج عن الأنا من أجل الآخر. فالمُحب يريد أن يُشرك المحبوب معه في حياته. الأمر لا يتحقَّق، بكافة أبعاده وأعماقه، إلا في شخص الله وما عمله لأجلنا في المسيح يسوع. فيقول الكتاب "الله مَحَبَّة"، أي أنَّه في محاولات مُستمِرَّة للارتقاء بمَن يحبهم، حتى يؤهِّلهم تدريجياً أنْ يعيشوا معه إلى الأبد. أمَّا تجسُّد المسيح فهو قمَّة إيجابية محبة الله للإنسان. هذا التجسُّد خلَّص الإنسان مِن سلبيته، وخَلَقَ إنسانية جديدة إيجابية، تظهر في محبة الرب من كل القلب، ومحبة القريب كالنفس. وحياة المسيح على الأرض كانت حياة إيجابية كاملة، أراد من خلالها أن يعطينا نموذجاً نتمثَّل به ونتبعه لنكون إيجابيين: كان يتدخَّل في الأزمات ويعطي الحلول المناسبة، كما في عُرس قانا الجليل.. كان يقوم بذلك بناءً على طلب الناس أو بمبادرة منه، كما في معجزات شفاء كثيرة متنوِّعة.. كان واضحاً في أقواله، حاسماً في قراراته، قوياً في مواجهاته.. كانت لديه غيرة روحية صادقة تعمل لأجل الإصلاح، كما في طرده اللصوص من بيت الرب.. كانت تعاليمه إيجابية، فلم يدعو للانعزالية، بل دخل المجتمع واختلط بالناس.. انتقد بشدَّة السلبيين المُتفرِّجين غير المُبالين بهموم الناس، أمثال الكتبة والفريسيين.. وامتدح بوضوح الإيجابيين، أمثال المرأة ذات الفلسين. كذلك كانت الكنيسة الأولى كنيسة إيجابية. في العبادة وفي الخدمة وفي التعليم وفي الشركة بين الأخوة وفي الإرسالية إلى العالم أجمع. إننا نستطيع أن نكون إيجابيين، كما عاش المسيح على الأرض إنساناً مثلنا، وكما عاشت الكنيسة الأولى. وذلك من خلال تفاعلنا مع كلمة الله وتجاوبنا مع روح الله.
ملامح الشخصية الإيجابية: (1) المُبادرة بدوافع نبيلة إنجاز أعمال مُفيدة: هناك من يؤدون أعمالاً مُفيدة عندما يُطلب منهم ذلك. لكن الشخص الإيجابي يؤدِّيها من تلقاء نفسه، قبل أن يُطلب منه أو بدون طلب. إنَّه قادر على التخلُّص من التردُّد واتِّخاذ القرارات الشُّجاعة الحاسمة في إنجاز ما يفيد الآخرين. (2) الالتزام وتحمُّل المسؤولية: الإيجابي يلتزم بالمبادئ والقيم الأخلاقية والروحية، ممَّا يجعله قادراً على تحمُّل أعباء المسؤوليات. فلا يخاف ولا يتردَّد ولا يتهرَّب. (3) يؤدي واجِباته قَبْل أن يُطالِب بحقوقه: يقوم بمسؤوليته ومهام وظيفته دون انتظار مكافأة أو تدليل. بينما السلبي لا يعمل إلا لينال المكافأة والمدح. فالطالب السلبي يدرس فقط ما يكفي الإجابة على أسئلة الامتحان، أمَّا الطالب الإيجابي فإنَّه يدرس لكي يتعلَّم ويتثقَّف ويتفوَّق. (4) يبحَث عن أخطائه الذاتية، ولا يُبرِّر نفسه: هناك أخطاء تحدث نتيجة التفاعُلات الجماعية، ولا يُعرَف بالتحديد من هو المسؤول عنها. الشخص السلبي يُبرِّر نفسه دائماً، ويُلقي باللوم على الآخرين، ويعفي نفسه من الخطأ مهما كان. أما الشخص الإيجابي، فإنَّه يبحث عن الحقيقة، ولا يُبرِّئ نفسه، بل يبحث عن أخطائه ويتحمَّل المسؤولية. (5) مشاركته الجماعية فعَّالة: الإيجابي يُجيد الاتصالات وتبادُل الخبرات. يتبادل وجهات النظر مع الآخرين لأجل صناعة وصياغة القرار الأفضل. إنَّه يهتمّ بالعمل الجماعي ويعمل للصالح العام. بينما السلبي يهتمّ بنفسه فقط، ويحاول تسخير علاقاته لصالحه هو. (6) يعمل أكثر مِمَّا يتكلَّم: إنَّ الشعوب والجماعات التي تحرَّرت من السلبية، استطاعت أن تنطلِق بالفِكر والعمل الإيجابيَيْن. أما الشعوب والجماعات السلبية فهي المُسْتَسْلِمة للتراخي والكسل والتواكل، وتعتمد بالدرجة الأولى على الكلام والشِّعارات أكثر من اعتمادها على العمل. لذلك يعلِّمنا الكتاب أن المحبة يجب ألا تكون بالكلام، بل بالعمل والحقّ (1يوحنا 18:3). (7) التَّجاوب الفَعَّال المُثمِر: الإيجابي مثل الأرض الجيِّدة التي تتجاوب وتتفاعل مع البذار، وتُظهر إيجابيتها في إنتاجها وثمارها، كذلك الإيجابي. إنَّ القلب الذي لا يتأثَّر بسرعة، أو لا يتأثَّر أبداً، هو قلب قاسٍ مهما سمع أو قرأ، سيبقى متحجِّراً بدون ثمر، هذا هو السلبي. أما الإيجابي فإنَّه كالغُصن الذي ينقِّيه المسيح لكي يأتي بثمر جيِّد كثير دائم. يسأل الرب في (إشعياء2:1-6): أين إنتاج عملي في كَرْمي؟ فبعد كلّ ما قدَّمه للكرمة، وحِرْصِه الشديد عليها، لماذا تعطيه عِنَباً رديئاً؟ ويقول المسيح في (لوقا 46:6-49): "لماذا تدعونني يا ربّ يا ربّ، وأنتم لا تَفْعَلون ما أقوله؟"، لماذا تطلبونني وأنتم لستُم إيجابيين مع كلمتي؟ إنكم تطلبونها، لكنكم لا تتجاوبون معها. كمن يدخل مَطْعَماً ويطلب الطعام، وعندما يُقدَّم إليه الطعام الذي طلبه، يتركه ويخرج. إنَّ المُستمع الإيجابي هو الذي يسمع ويفكِّر ويتفاعل ويعمل بالكلمة التي سمعها. يُشبِّهه المسيح برجل عاقل بنى بيته على الصخر، مؤكِّداً على ضرورة العلاقة الإيجابية المثمرة مع كلمة الله الحيَّة الفعَّالة. هل تريد أنْ تكون شخصاً إيجابياً؟ انغَرِس في كرمة المسيح، وتجاوب بفاعلية في علاقتك مع الكنيسة، في حضور اجتماعات العبادة ودراسة الكلمة، وليس بمجرَّد التواجُد. تجاوب بفاعلية مع التعليم والترنيم والخدمة، والمُشاركة في نفقات الخدمة.
الوصايا العَشْر لتكوين عقلية إيجابية: (1) القراءة والحوار: ما أكثر الأفكار والسلوكيات السلبية التي توارثناها، عن أنفسنا، وعن الآخرين، وعن الله بتصويره كما يحلو لنا. هذه لا يمكن تصحيحها إلا من خلال المُطالعة والحوار، فالقراءة تفتح الذهن والأفق، لاسيما قراءة كلمة الله. يقول المسيح: "تضلّون إذْ لا تعرفون الكتب" (متى 29:22). (2) التجديد والابتكار: إذا كان طريق الألف ميل يبدأ بخطوة، فإنَّ الإيجابية تبدأ بفكرة جديدة مُبتكرة. كل إنسان لديه القُدرة على تحسين حياته، لكن ما أقلّ الذين يعرفون ذلك. ويقول بولس للمؤمنين: "تغيَّروا عن شكلكم بتجديد أذهانكم" (رومية 2:12). (3) نسيان الماضي: السلبي يستهلك وقته وطاقته في اجترار الماضي وسلبياته، فيُحبَط ويفقد الحماسة لعمل أي جديد. أما الإيجابي فإنَّه يستحضر الزمن: الماضي بالتذكُّر والحاضر بالانتباه والمستقبل بالأمل. فينسى الماضي ويمتدّ إلى المستقبل، كما قال بولس: "أنسى ما هو وراء، أمتدّ إلى ما هو قدَّام، أسعى نحو الغرض" (فيلبي 13:3). (4) المُبادَرَة والمواجَهَة: لا تكتفي بصداقة مَن تعرفهم، بادِر بالتعرُّف بأصدقاء جُدد، سوف يضيفون الكثير لحياتك وأفكارك. وعندما تجد ما يحتاج لمُساعدة، بادر بالمُساعدة كما فعل السامري الصالح (لوقا 33:10-35). وعندما تخطئ واجه نفسك وتحمَّل المسؤولية. (5) الوضوح بدون غموض: السلبي كتوم وكلامه غير مُحدَّد ويحمل أكثر من معنى. أمَّا الإيجابي فهو صريح، يجيد التعبير عن نفسه وعن آرائه بطريقة لا غموض فيها أو التباس. (6) الموضوعية: فسِّر الأمور والأحداث والكلمات تفسيراً يتجاوز مصلحتك الشخصية وخلفيتك الثقافية والبيئية، دون أي تحيُّز. (7) الحذر من التّزمُّت والتعصُّب: التعصُّب سلوك سلبي يبني الحواجز بين الناس على أساس ديني أو طائفي أو اجتماعي. والتزمُّت هو التشدُّد والتطرُّف في الرأي أو السلوك، وهو المُغالاة في التديُّن الظاهري لتعويض النقص في العلاقة مع الله. (8) المرونة: لا تكن نمطياً جامد التفكير والتفاعُل، تميل للسلوك على وتيرة واحدة. ولا تقاوم التغيير والتجديد خوفاً من المشاكل. (9) الثقة: الارتباط وثيق الصلة بين الثقة بالنفس، وفي الله، وبالآخر. وتنمية الثقة بالنفس تؤثِّر في اللآخرَيْن. (10) التفاؤل: تخلًَّص من الأفكار القَدَريَّة والمخاوف المرضية والانهزامية، واملأ عقلك بالرجاء. واسمع قول إشعياء النبي عن الرب: "يُعطي المُعيي قُدرة، ولعديم القوة يُكثِّر شدَّة. الغلمان يُعيون ويتعبون، والفتيان يتعثَّرون تعثُّراً، وأما منتظرو الرب فيُجدِّدون قوةً، يرفعون أجنحة كالنسور. يركضون ولا يتعبون، يمشون ولا يُعيون" (إشعياء31:29:40).
القس أمير اسحق |